أبي حيان التوحيدي
123
المقابسات
لما يأتي به الليل والنهار ، وعادت حاله مع علمه الكبير ، وبصيرته الناقدة ، إلى حال الجاهل بهذا العلم الذي انقياده كانقياده ، واعتباره كاعتباره ! ولعل توكل الجاهل به أحسن من توكل العالم ، ورجاءه في الخير المتوقع ، والشر المتوقى ، أقوى وأرسخ من رجاء هذا المدل بزيجه وحسابه ، وتقويمه واصطرلابه ؟ قالوا : ولهذا روى الصالحون أن الثّورىّ « 1 » لقى ما شاء اللّه « 2 » فقال له : أنت تخاف زحل وأنا أخاف رب زحل ، وأنت ترجو المشترى وأنا أرجو رب المشترى ، وأنت تغدو بالاستشارة وأنا أغدو بالاستخارة ، فكم بيننا ؟ [ فقال له ما شاء اللّه : كثير ما بيننا ؟ حالك أرجى ، وأمرك انجح وأحجى « 3 » ] قال : وهذا أنوشروان ، وكان من المغفلين الأفاضل ، روى عنه أنه كان لا يريغ بالنجوم ، فقيل له في ذلك فقال : صوابه شبيه بالحدس ، وخطاؤه شديد على النفس هكذا ترجم وهو كما ترى قال : فمتى أفضى هذا الفاضل النحرير ، والحاذق البصير ، إلى هذا الحد والغاية ، كان علمه عاريا من الثمرة ، خاليا من الفائدة ، حائلا عن النتيجة ، لا عائدة ، ولا مرجوع ؛ وان أمرا أوله على ما قررنا ، وآخره على ما ذكرنا ، لحرى بأن لا يشغل الزمان به ، ولا يوهب العمر له ، ولا يعار الهم والكدر ، ولا يعاد عليه بوجه ولا سبب . هذا إذا كانت الاحكام صحيحة ومدركة
--> ( 1 ) هو أبو عبد اللّه سفيان بن سعيد الثوري الكوفي ، أحد الأئمة المجتهدين ، وكان على جانب عظيم من العلم والدين والورع والزهد والتقوى ، وقد فتن المؤرخون به وأولعوا بالثناء عليه والحمد لاستقامة طريقته . وكان مولده سنة 95 ه وتوفي بالبصرة سنة 161 ه . ( 2 ) هو ميشى بن ايرى المنجم اليهودي ، وكان يعرف في بغداد « بما شاء اللّه » كان على فضل وحذق بعلم النجوم ، وزعموا أنه كان له حظ قوى في سهم الغيب والاخبار بأمور الحدثان . شهر في زمن المنصور وأدرك عهد المأمون وتوفى حوالي سنة 200 ه . ( 3 ) هذه الزيادة ليست بالأصل فأثبتناها عن القفطي